Wednesday, January 13, 2010

شرفتان

شرفة أولى!


ذات مساء أطالت الوقوف على الشرفة, بدت مهمومة وهي تستطلع المكان حولها كأنما تبحث عن شيء ما, رغم الجو الخماسيني والرياح المتخبّطة المحملة بالغبار والأكياس والأوراق المتطايرة التي تنتثر بفوضى عشوائية حول عجلات السيارات المتوقفة وقرب الجدران إلا أنها استمرت بالوقوف وبدأت تنادي نداء غير مفهوم بصوت اقرب للهمس الخجول حينا وبنداء أعلى محمل بالإلحاح حينا آخر!

لقد سمعت الصوت! هي متأكدة! صوت المواء المستغيث الذي خلع قلبها, لا بد بأنه مواء قطتها الصغيرة التي عثرت عليها وحيدة في ساحة البيت الخلفية بعد أن ضاعت عن أمها أو إضاعتها أمها... لا فرق!

كانت ضئيلة الجسم بحجم كف اليد المضمومة, لم تكن عيناها قد تفتحت بعد, رجت والديها أن تحتفظ بها ,علّق والدها بعدم اهتمام :لن تعيش!

حضنتها الأم بإشفاق وهي تقول:قد لا تعيش دون ثدي أمها!صغيرة ولدت للتو!

لكنها لم تقتنع ...فكرت في وسيلة لإرضاعها وأخيرا اهتدت للمطلوب أفرغت قطرة العيون الخاصة بأخيها الأصغر و ملأتها بالحليب قبل أن تحمل القطيطة برفق وتعصر قطيرات في فمها الصغير ...عندما كبرت قليلا باتت قادرة على أن ترضع ,تموء مواء خافتا ملحاحا كلما سمعت صوتها ثم بدأت تطعمها وتقوم بتحميمها لا بل وتجفف وبرها الناعم بمجفف الشعر بعد أن تستعيره من والدتها, لكم أحست بدفق الحنو على القطيطة المسكينة!كم فرحت عندما بدأت تتمسح بقدميها وتلعق كفها بلسانها الخشن الذي يشبه ورق الزجاج,وتصدر صوت هر ير إعلانا منها بالرضا!

-هل كل الكائنات قادرة على أن تظهر امتنانها و رضاها ؟!!

سألت أمها لكنها لم تتلق الرد,بادرتها بالصمت وبدا انكسار ما في ملامحها,هي تعرف تماما إنها لم تر والدها يوما يظهر الامتنان أو الرضا لأمها رغم أنها تتحمّل مسؤوليات متشعبة وتمتص ثوراته ومشاكسة الأولاد وتبتلع نهاراتها بصمت ما بين الوظيفة والأعمال البيتية...

هي الابنة الوحيدة التي لا تجد أنيسا بين إخوتها الذكور ...القطيطة بعينيها الواسعتين الرماديتين وجسدها الصغير الموشح بين الأسود والرمادي تجد عندها فسحة من التواصل والسلوى...


شرفة ثانية!


جميع الجيران يعرفون أن الشرفة المطلة في بيت \'أم حسن\' هي مكانها المفضل فهي تطيل الوقوف وتأمل الطريق وإذا ما غابت عنها يمكن التكهن ببساطة بأنها ليست في بيتها!

\\لكنها اليوم توقفت عن تأمل الطريق و بدأت ترقب الفتاة الواقفة على الشرفة المقابلة رغم الجو المغبر

وهي تمسح بنظراتها الرصيف والشارع كأنما تبحث عن شئ ما,لم تستطع أن تتغلب على فضولها فتذرعت برغبتها في تناول فنجان قهوة رغم معرفتها بعدم وجود والدتها في البيت,لسأل عما أصابها أتاها الصوت محملا بحزن

-القطة!! قام أبي صباح اليوم بالتخلص منها!!

-لماذا؟!!تعلقت بها كثيرا!!

- تسبّبت بالتحسس لعيون أخي الأصغر..بدت عينيه محمرة باستمرار ومنتفخة ودامعة وبدأ يعركها ولم تنفع القطرات ...قلت له ألف مرة ألا يلمس القطة أو يقرّبها من وجهه لكنه لم يستمع إلي!!

-أين ذهب أبوك؟!

-قال بأنه وضعها قرب حاوية تنتشر حولها القطط بعد أن حملها بكيس وسار بسيارته مسافة ربع ساعة!!لكنها..! لم تعتد أن تبحث عن طعامها بين الفتات ...هل ستعيش؟!

-إن كان عندك باب فعند رب العالمين ألف باب!!

-هل من المحتمل أن ترجع؟!! قالت أمي إن للقطط حاسة فطرية تمكنها من العودة للمكان الذي تربت فيهّّّا!الا تسمعين صوت المواء القريب؟ لا بد بأنها رجعت تبحث عني وهي تحس بالجوع والعطش!!!لكم اشتاق لها وأشفق عليها ..أتمنى لو احضنها ...

يبدو التأثر على\'أم حسن\'وتتنهد وهي تقول:تعلقت بها لأنك أرضعتها وحممتها لعد أسابيع؟! تعلّمي تجرُع الألم فهذه الدنيا قاسية أشبه بوحش ينهش القلوب على حين غدر!...تصوري أن تلدي ولدا بعد أن تستشعري حركاته في أحشائك وتذوقي أوجاع الولادة وترضعينه منك ...اااه يا ابنتي! نار! ناااار! تشب في الصدر لا تنطفئ ولا تموت بل تزداد سعيرا كل يوم! كأنّ يدا تمتد إلى داخل صدرك وتخلع جزءا منه!اااخ! لقد أثرت شجوني وحركت الوجع الراقد في صدري!!!أتعرفين رغم مرور أكثر من عشر سنوات على الحادث لكن كلما أمطرت السماء واشتد عصف الريح اشعر بالذنب فكيف ارقد في فراشي دافئ وهو تحت التراب؟!...يا ويلي! إي عذاب!-ابنك؟!!

-اااخ يا ابنتي...ذاك اليوم المشئوم صحوت مبكرا جدا بعد نوم قلق تتخلله كوابيس غامضة أحسست بيقظة غير معتادة تيقظ وتوجس من يحيط به عدو مجهول جهزت له الافطار وتفقدت كتبه وحقيبته وساندو يشه وزجاجة الماء مبردة كما يحبها كان ذاهبا لمدرسته ...

-ماذا حدث له؟!

-قبل أن يصل بقليل دهسته سيارة مسرعة أعمى الطيش قلب سائقها ونظره!!...وجع لايمكن وصفه! لوعة لا تهدأ ناااار لا أذاقها الله لصديق ولا عدو تصوري أن تستعر النار بك من الداخل من يقدر على إطفائها ...من؟!!

تصمت فجأة وهي تهز جسدها بحركات منتظمة جيئة وذهابا وتضرب فخذها كمن يبتلع سكين جرحه,يرتفع مواء القطة مجددا

-تسمعين مواء قطتك؟!
أنا؟!اسمعه ينادي يمه!! يستغيث بي تحت ثقل العجلات المجرمة,يمه! فأهب من نومي أترنح بين جدران جهنمي واهرب للشرفة وأطيل تأمل الطريق أتخيله راجعا وهو يحمل حقيبته على ظهره قبل أن يلقيها على المدخل ويسألني ما الغداء اليوم؟! أخادع نفسي إن ما كان محض كابوس ثقيل هوة من الجحيم رأيته من أول الشارع يسير لكنه لم يصل!يحل سكون ثقيل تغطي الفتاة عينيها من الأتربة الناعمة التي تمتلئ به الشرفة ,تنهض\' أم حسن\' وهي تقول:المواء الذي تسمعينه اعرف مصدره!هناك قطة شقراء وليدة رأيتها قبل يومين قطتك اصغر من ان تتمكن من العودة!لكن استمري بتخيل عودتها إن كان ذلك يريحك!احضنيها فهذه اللحظات من الحلم تطفئ نار اللوعة والفقد ولو لثوان!!ودعيني ارجع لشرفتي فقد اقترب موعد عودة ولدي!

No comments:

Post a Comment